
وعادتْ بثوبِ حِدادها ......... أرملةُ العشقِ
نص غارق في ثنايا كفنٍ قائلاً: لا تبكي وتجرحي... فاطمة
على تلك الرمال البيضاء، فوق الذرات المتراكمة ، كانتْ امرأة تتلوى فوق الرمال، فوق أرض الموت، تصرخُ بصوتٍ مكلوم، غائرٌ في حِنجرةِ العزاء ، تماما كما تغور أرواحنا وقلوبنا في وعاء، تصرخ وهي تبحثُ بين القبور و تتأملُ الأكفان التي كانت أجسادها قبل ثوان قليلة تلمس بأناملها نبض البقاء النبض الممتد إلى الأعماق الملتصقة بالبراكين المسّجرة تحت القاع، كانتْ تبحثُ عن بقايا حياة، عن بقايا نبض ما زال يُعمَّر الصدور ويغذي العقول .
تاهتْ محدقة في الجثثِ المتبدلة تبحثُ عن جسدٍ ليس كباقي الأجساد, منطلقة كسهم يعدو بين الأشجار, تمرغ نفسها بالتراب صارخة أين هو الذي ضممته إليّ قبل هنيهات؟؟؟ أليس على الأرض من يسمع ؟؟ وامعرساااه , وامعرساااه , وامعرساااه .
شهقتْ السماء وتراجعتْ الشمس خجلاً، واندثرتْ رائحة الأرض، وانبثقتْ رائحة الموت، راقبتها وراقبت الألم المزروع بكل خطوة تخطوها قدماها راقبتُ العذابَ والقهر الذي خرج من بين ثنايا صوتها الغارق بالذهول, فاقتربتْ مني وعلى وجهها الحياء وكأنه الوجود، تتلوى كعصفور مطحون الرأس، ممزق الجسد تبكي، فتغرق الأرض بدموعها، تبكي فتشعر السماء بصغرها، وتختفي الشمس في العمق، بحثا عن خلاصٍ من سؤالها تسألني : هل علِمتي برحيلهِ عنّي ؟؟ وهي تضم بين صدرها رضيعا, تهزه ثم تنظر نحو السماء وتعود ، وتسألني: دُليـــني عن قبره لأفتش فيه عن شهقة من شهقاته عن أنة من أناته، وتعود تردد: ".......... اجبني "!
ثم تركض بعزم مفاجئ، نحو قبر ، فتشعر بالرعب بالهلع من جسد وجدته بلا قلب , فتعود راكضة إلىّ بصمت الخجل ، وهمود الموت , وهي تشير إلى الجسد , ثم تعود تُحدقه وتسأله أن يحدثها أن يضمها إلى صدره، فتضرب عينيها كل الأشياء، وتنفض التراب عن وجهها لتظهر الحقيقة الــمُرة هذه المرة " نزعوا قلبه واويـــــــــلاه ", فيصمتْ الكون محالفاً الموت المزروع بحدقتيها الغضتين، والأفق صامت، يحالف انهيارها، والآماد صامتة، تحالف قهرها وهي تردد : لست فاطمة لستُ فاطمة .
هناك يفتح الشجن والأسى أخاديد في محياها ، فالقهر والخوف والهلع والرعب والليل والسواد والموت والحداد يشاطرني ( أنا ) ولكن مخالفا لحزنها وحدادها , قد لا تعلم ولا تود أن تعلم أن قلبه أهداني إياه منذ زمن بعيد , وهي من أخذه منّي .
بكتْ، وبكتْ، وبكتْ، بصوت لا يحتمل الم البكاء وعذابه، بصوت غاب رنينه، - وللأبد – فتفرش برداء حدادها ما يستره, ومن حنان قلبها لا يفزعهُ , أما أنا كنتُ في حالة استثنائية، تشبه حالة البئر المهجور ابحثُ عن وعدٍ وجسد , أدور على محور العذاب والأسى والألم، أتلظى على نار الذهول والانهيار، فيهز الكون من جديدٍ بصرخاتها، لاطمةٍ على صدرِي و وجهي وبصمت ٍ كالعادة ( أنا من ترملت قبل ترملكِ بسنوات أنا من وعدني ورحل ) .
كنت أرقبها وأنا أبكي، وأجهش بالبكاء، بكاء مر، ممزوج بالعجز من البوح .... من .... المشاركة في العزاء , فاندفعت اجمع بقايا أحزاني حتى رأيت جسده ينتفخ، يتجمر، يغلي، كبركان يستعد للإجابة ، يستجيب لصوتي ولكن يتقطع خجلاً من أنين تلك الفاطمة , قائلا : " يا فاطمة, يا أنت يا باكية لا تغرقي في حزنكِ فأنتِ لا تعرفي الهزيمة والانكسار، ومحترفة في استعذاب الحب والخوف والموت.
ثم يأتي صوتا هامسا ً نحوي حرريني يا أرملة العشق واجعليني بذاتكِ مرة أخرى ولا تخشي على فاطمة , فأنت جبل من الصبر بل أنتِ معجونة بالتضحية والحب ، أنا اظهر فقط من أجلكِ ، لأنثر هممي على صفاتكِ وكلماتكِ، وحزني اليوم أعظم لان الذي نثرته عليكِ ليس أسمى من أن يلامس جسدكِ وذاتكِ .
فقط قولي لها:" كان صوتكِ أنتِ يثير في داخلي زوابع من الذكرى إلى حد الانصهار, قولي لها لا تبكي يا فاطمة إذا رحلت ولم أعد لكِ أعطيتك أولادي وكل ما املك, أما أنتِ يا امرأة العشق ( كثيرا ما ناديتك بعمري ) كانت لكِ أحزاني وخوفي وأنانيتي وخذلاني وترددي , لا تعجبي أن كنتُ تمنيتكِ في آخر لحظاتي على صدري , تعايني سكراتي .
لا تعجبي أني بحثتُ عنكِ بين المشيعين, وكنتُ أمهل دفني علكِ تأتين, ولليوم وفي داخل قبري انتظر منكِ زيارة, ( يا أمرآة العشق ) ابكي ولكن بصمت حتى لا تجرحي فاطمة.
كتب بتاريخ : 10/ 3 / 1431 هـ
تاريخ الوفاة : 20/ 2 / 1431 هـ
على نمط خاطرة (من هي أمه) والتي نالت على إعجاب المرحوم لعمق حزنها ولوعة تقاسم المرآتين فراق المحبوب.