
مناجاة بحار تائه
جاء صوته خارقا لصوت الموج ... كانت هنا تقف منتظرة عودتي , وكنت هناك اعد صنارتي وارمي بشباك سمكاتي ... لم تعد ... اختفت ... ذهبت ... . أين أنتِ يا جليسة الرمال ومركب الصمت وشراع الآمال ؟
أين أنت يا لؤلؤة بين الأصداف ؟ وحنين الصياد وزاده والأمان !
كان صوته حزينا كئيبا اقتربت منه لأعرف سبب انزعاجه, فتوقفت... شيئا ما استوقفني فجلست على بقايا مركب قديم , اتامل كدح ذلك الصياد ومشقته , فبدأ لي رجل في الأربعين اسمر اللون , اسود الشعر ذو شارب ولحية خفيفة , يجمع كل يوم بعد انتهاء صيده أصدافا ويعقدها ببعضها البعض ويعلقها على مركبه فتصدر صوتا رائعا تحركه نسمات البحر الشرقية فتسحر حوريات البحر العربية لتأخذها في منتصف الليل وتعلقها على نحورها الذهبية .
وأحيانا يتسمر جامعا الطحالب البحرية يشكلها أثوابا معلقة على أبواب كوخه الصغير يوهم الزائر بأنها ملابس أنثوية حتى لا تطمع فيه جنيات السماء ولا إنسيات الأرض. غريب أمر هذا الرجل يظل شارا نحوي لساعات طويلة لا يحرك رأسه إلا لرمي طعم جديد أو لطرد طائرا ما يحوم على صيده, فيعود من جديد للتحديق...
ماذا بك أيها الصياد لما الحزن في عينيك؟
لماذا الانكسار ؟ والذبول ؟ وشبح الفراق !
كل يوم أجالس هذا المكان أترقب عودتك سالما ؟ لماذا اهتم بك ؟ واشتاق وشيء ما يدفعني إليك ؟ من تكون أيها الصياد من تكون ؟
تحرك أخيرا وصعد مركبه , وبدا بالإبحار بعيدا ... فتوارت الشمس خلف السحب .. وبدأت قطرات المطر تتدفق .. والبحار لم يعد ... طال الانتظار .. فهبت العواصف الهوجاء واقتلعت كل المراكب والأشرعة وحولتها لحطام ... والصياد لم يعد ..
كنت على يقين تام أن الصياد قد غرق ومات في عرض البحر
للحديث بقية )))
(( لكل حبة بذرة فاسدة كيال أعور))