
فمنذ تأسيس هذا الكيان الغاصب لم يقف عاجزا أمام أعمق أزمة تطول قياداته وجيشه وكل أدواته وتظهره على حقيقته غير هذه الحكومة الفاشلة , فلا داعي إذن الخوض عن جيش النخبة ولواء غولاني الرافع في حروبه مع الجيوش العربية شعار الانتصارات .
فالخلل الذي حصل خلال حرب تموز لم يكن على صعيد الاعداد العسكري كما يروج له، وانما على صعيد الروح والعقيدة القتالية. بينما تقف مجموعة صغيرة من حزب الله في موقع القوة والاقتدار فيتعطر الكون بأجسادهم وتملأ الحياة عزا وشرفاً بأقدامهم وسواعدهم فتلحق لعاشقها الأول والمربي المعلم لصانع الدم شرفا وهازم السيف قهرا حتى قيل هل تنتصر العمامة العلوية على طغيان بني اليهودية ؟
نعود من جديد ... (أقداهم ) من هنا تبدأ ثقافتهم فلا يمكن لهذه العقيدة أن تتحقق ما لم تتوافر النّوايا الطيبّة , والايمان الراسخ والقناعة الثابتة بانتهاجها , سلوكاً , وعملاً , وأخلاقاً 00 سلوك منظّم , واخلاق سوّية , وعلاقات متوازنة مع الحياة , والمجتمع , وعمل يومي دائب وجاد من اجل بناء النفس وإصلاحها , وإعادة الثقة بها واليها 0!?
فالمقاومة ليست كلاما ولا شعارا , ولا خطابا , ولا زينة لفظية نزيّن بها أحاديثنا واشعارنا , وقصصنا , وجرائدنا ليتوهم الاخرون أنّنا مثقفون و متعصبون لمذهب وطائفة معينة
هي مقاومة الفساد , والغرور , وحرب مستمرة ضد الأحقاد والضغائن , والتشتت , والتعصّب , والانقياد إلى الأعداء واعوانهم , وعملائهم 0
هي التزام بالوطن , والشعب , وقضايا الإنسان , واحترام لحريته , ورأيه , وحقّه في الحياة الحرّة الكريمة 0هي بكل اختصار مسؤولية أخلاقية , وقومية وإنسانية.
فلا ادري بالضبط كيف استطاع لساني أن يتفوه بهذه الكلمات ( هل من الضروري خروجك ماذا افعل هنا غير الانتظار انتظار أن تعود سالما , ًفمنذ زمن مضى وأنا أبحث عنك في كل مكان في كل الوجود وفي كل الوجوه التي تشبهك, حاولت غير مره أن أعثر عليك وأراسلك وانتظرت أن يأتيني ردك دون جدوى ) تطلع من جديد إلى صورة ابنته وقميص زوجته ورسالة أمه فضرب برجليه على الأرض ضربة قوية كادت تزلزلني من مكاني وفتح ذراعيه قائلا : هؤلاء يا شدن إذا تخاذلت وتقاعست من لهم , فإذا كان الموت يأتي في لحظة فإنني أتمنى أن أستشهد في هذه الحرب ؟
أحبكَ أنتَ مهما كنت مقاوما أو شهيدا أو كنت رجلا عاديا.
أنا عائدٌ إلى المواجهة رفاقي بانتظاري منذ ساعة..فالبقاء معك يحتاج لمقاومة أخرى غير التي في الخارج.
رمش العين خذني معك.. أرجوك ..
من يرجعك بعد ذلك ؟
بعد ماذا ؟
شدن سيطول حديثنا إن بقيتُ هنا.... قاطعته بحدة وسط وجعي ودموع عيني المتساقطة لا لاتبقى أخرج لتقاتل هناك وقاوم لتخرجني أنت من هنا حينها فقط اعرف أننا على قيد الحياة وأننا بعد أن نخرج ستكون لنا مواجهة من نوع آخر .
الآن فقط يا رمش العين تستطيع أن تسكت ولا تجيب , لكن إذا انتهت الحرب سأكون هنا لتقرر مصيرنا .
إذن استودعك الله ..
في حفظه الكريم ...
رمش العين ....
نعم ..
ارجع سالماً ...
ابتسمَ ابتسامته الجميلة واضعا يده على رأسه ( إذا أرد الله ).
وخرج متوجها لمصير الله وحده يعلم ماهو, وقلبي ازداد خوفا وقلقا عليه لم يكن تأخره هذه المرة يوترني فقط بل يرعبني ويشل تفكيري فلدي إحساسا غريبا قد وقع له لكن لا لا أريد التكهن .... حفظك الله يا رمش العين ... أنت ورفاقك..
مرت الأيام والليالي ولا خبر عنه فلم ياتي لتبديل ملابسه ولا تأمين سلاحه ... لم يعد لسجادته الخضراء وتربته الوضاء ... اشتاق مصحفه لترانيم صوته ... ودعاء الثغور لعبده ... بدأ المكان موحشا مقفرا بأهله فمتى يعود محملا باخبار تسر القلب وتنعش الروح .. ماذا يحدث هناك ... ماذا يجري ... هل من مجيب ؟ هل انتهت هذه الحرب اللعينة ؟
هل انتهت هذه الخيانة العربية ؟
وأنا ماذا افعل غير الانتظار غير الدعاء والصلاة , الليل ونهار سيان, فبين الحين والأخر أسمع صوت انفجار وإطلاق نار وخطوات سريعة تخترق الأرض ضجيجا يبدو أنها دبابات أو شاحنات كبيرة لا اعلم بالضبط ماهي .. كل الذي اعلمه أنها غير خطوات رمش العين الهادئة, الحانية على أرضه.. فجأة... بدا كل شيء يتغير بحركة سريعة خطوات تجري بسرعة كالبرق... زادت دقات قلبي وبدأت ارتجف خوفا وبدا الشيطان يوسوس في عقلي أن القادم جندي إسرائيلي جاء لقتلي بعد أن قتل رمش العين... اوووه لا يارب أرجوك
اغمضت عيني وتسمرت مكاني وأغلقت المصباح ...... خفت الخطوات يبدو انه دخل المكان وبدأ يبحث عن مصباح... أشعل ولاعته ...قائلا : باسم الله ... خف خوفي يبدو انه رمش العين...
أختي شدن أين أنتِ... هل يوجد أحد هنا ؟
صرخت بأعلى صوتي رجعت أخيرا... كاد يغمى علي من البكاء فلم استوعب بعد من يكون الواقف أمامي... اخذ المصباح الملقى بجانبي وأشعله من جديد.. وذهب يحضر كوب َ ماء ٍ وبينما أنا غارقة في موجة البكاء وقف قائلا: لما البكاء يا أختي
رضا بخير...
نظرت إليه بتعجب من رضا ؟
وقف صامتا ثم رفع حاجبيه الغليضيين وحرك رأسه صاحب هذا المكان .
قلت: بلهفة مجنون وين هو الآن ماذا به.
قال : لقد أصيب بكتفه إصابة بالغة وهو يتلقى العلاج الآن لا تخافي أتيت لأطمئن عليك بأمرٍ منه .
قلت : خذني إليه ... أرجوك..
قال : مستحيل جداً .
قلت: ولماذا مستحيل عليّ أيضا زيارته ؟
قال: أختي الوضع صعب بالخارج وأنت لا تعلمي أي شيء عنا هناك.
صرخت وماذا عليّ أن اعلم غير أن رمش العين مصاب وإصابته خطيرة وأنت واقف تطمئني عليه وكأنه مشى على قشه ..ماذا تعلم أنت عن انتظاري له في هذا المكان الموحش ؟ ماذا تعلم عن خوفي وقلقي من غيابه ... بدأت انهار تماما حال سماعي خبر إصابته وبكيت بصوت متقطع وبأنة وحيدة.. أرجعوه ليّ سالماً معافى.. كان هنا بين جنبات قلبي يشعر بالأمان ... وبين ظل مشاعري كان يدفئ ... رمش العين عُد
لم أكن على علمٍ واعي في قولي وخروج كل تلك الكلمات أمام رفيقه وأعز صديق لديه ... ربم وقف مندهشا حائرا في تصرفاتي وربم عدني من تلك النساء اللاتي فقدن عقولهن بسبب الحرب فلا طاقة لنا بها ولم نخض يوما غمارها , استسلمت للنوم بعدها ولم اذكر ماذا حل بي بعد موجة البكاء غير اني صحوت صباحا على صوت ينادي اختي شدن استيقظي ...
بالكاد استطعت النهوض وفتح عيني خال لي " رمش العين " ينادي
ابتسم الواقف وقال : للأسف أنا رفيقه ...
رجعت للنوم مجددا لكنه أفزعني عندما قال: انتهت الحرب صباح هذا اليوم قومي...
قلت له: اليوم... ماهو اليوم
قال: اليوم تم إيقاف اطلاق النار والأهالي يعودون إلى منازلهم.
جلست صامته وأغلقت عيني من جديد وأدركت اني إذا خرجت الآن من هذا المكان لن أرى رمش العين مجددا ولن اسمع صوته ولا حتى وقعات رجله .. لن اسمع حمحمته.. لن اسمع ضحكاته ولا تلاوته ... بكيت بشدة أكثر من بكائي البارحة على أصابته البالغة.. مازال الرجل ينتظرني لأخرج معه وانهي كل تفاصيل 25 يوما هنا ورائي...
عذرا أيها الأخ أريد أن اكتب شيئا هنا هل لك أن تنتظر؟
قال: لك ذلك أنا بانتظارك خارجا فخذي راحتك فرمش العين لن يعود قبل شفائه إلى هنا.
أخذت أطوف بإرجاء المكان أودعه وأودع كل ركن مشى عليه وكل جدار اسند رمش العين ظهره عليه... إلى ملابسه .. إلى أشياءه ... إلى مصحفه وسجادته.. إلى حذاءه ... ومنشفته... وصرخت لم أرك منذ 5 أياما يا رمش العين.. وخرجت مع الرجل كما دخلت أول مرة أسير خلفه وعيناي غارقة بالدموع سائلة : كيف هو الآن ؟
هو بخير صدقيني. والحمد الله
قلت : وكيف أخبرك عن مكان وجودي .
قال : كنت اعلم مسبقا وقد أوصاني عليك في حال تعرضه لشيء ما .
ماذا قال لك عني ؟
ابتسم وقال: كل الخير يا أختاه كل الخير.
هل هو في غيبوبة ؟
توقف عن المشي ثم استدار: لا تقلقي فنحن لا نموت وإن ماتت أجسادنا نبقى إحياء مخلدين. وتابع سيره بخطى ثابتة تعلم كيف تسير والى أين تتجه أما أنا فروحي حلقت بهذا المكان ولسكان هذا المكان لحبي الذي لم يدم طويلا لرجل افتقده عقلي كثيرا فلم اعد أفكر أو حتى أقرر كنت أسير رغبة في شيء أن يبتلعني في هذه الأرض ويخفي معالمي غير روحي الحالمة , إلى أن وقف بلبل يغرد على غصن شجرة بصوت شجي يقرع الأفئدة اتجهت نحوه لأعرف ماالخبر السعيد الذي يحمله لكن الرجل بدا يصرخ لا تعبري هناك توقفي ... استدرت نحوه ثم غاب كل شيء صوت البلبل وصوته والأشجار لم يعد للوجود معنى كنت احلق في السماء والرجل يبكي صارخاً بأعلى صوته ( كانت أمانة في عنقي ).
رمش العين ...
اسمح لي هذه المرة أن أناديك باسم حبيبي فقط لمرة واحدة لانك عندما تقرأ هذه الرسالة لن تغضب مني..
لأن أرضك محتاجة لكَ , وكل الأمة بحاجة لرجل مثلك يشعرها بالأمن الذي فقد , بالرجولة التي انتهى زمنها , أما أنا فلا داعي لذكر شهادتي فهي مدونة على جدران كل بيت .
هذا لك أما للآخرين نجوم سماء الإسلام، وكواكـب عـزِّته، وصروح مجـده إليهـم أسـمى التحايا، وأعطـرها وعلـى الخانعين والمنهزمين، لعنة الله إلى يوم الديـن.




