السبت، 20 ديسمبر 2008

!₪∫ ∫ ∫ ∫ ∫.» رمش العين ج1«.∫ ∫ ∫ ∫ ₪≝


جنوب لبنان

5/7/ 2006 تموز ( يوليه )

إهداء : لذلك البطل الذي زرع الخوف بين احادقهم ورمل جفونهم وكسر أنوفهم .


بــدايــــــة ...
اليوم لن أحدثكم عن الجنوب وسهلها وجبالها , وبرودة مياه أنهارها عن حقولها التي اشتعلت كشمعة مضيئة بدبابات «الميركافا» وجنود «غولاني» ‏و«الناحال» و«المظليون»..بل سأحدثكم عن أخلاق ذلك المقاوم الباسل الذي رمى بذخائر سلاحه في وجهه الغاصب الذي أرتكب المجازر ضد المدنيين ‏ومنازلهم وأرزاقهم وحيواناتهم.
هو الجنوب ... الذي لا يضع الجنود الصهاينة أقدامهم عليه إلا ورماهم بصواريخ من سجيل فتحرقهم ‏مع آلياتهم في وسط ذاك السهل الممتنع على عدو الله والإنسانية .
كان الوقت صيفاً عندما ذهبت برحلة صيفية إلى جنوب لبنان المقاوم على خط النار مع إسرائيل نستنشق الهواء العذب ونغنى طرباً على أصوات العصافير المغردة على أغصان الزيتون وكروم العنب , كان الجميع في تلك البقعة الصغيرة سعداء بما مَنَّ الله عليهم من نصر على الأعداء فصغيرهم يروي قصص الملامح البطولية التي سجلها أبناء هذه الأرض قبل كبيرهم .
الجميع هنا أسرة واحدة, يهرعون لاستقبال زوارهم من شتى أنحاء الوطن العربي بلا مللا ولا تعب تعلوهم ابتسامة الفخر والاعتزاز دائماً.
فكل شيء هنا يوحي بالحب وبصدق المشاعر , هناك فقط كنتُ أرغب بلأرتماء في أحضان عاشقي المجهول على هذه الأرض لكن لم يكن هناك عاشقا ولم اكن معشوقة بل زلزال دمر كل الضيع وهجر كل الناس عن منازلهم .
كانت هناك من تسمي نفسها ( اسرائيل ) تحصد البشر بدم بارد وتقتل الناس بطرق الغجر لا بالشعوذة والسحر بل بالذخائر والقنابل ورشاشات حُمر .
لم يكن مساء يوم التاسع من العدوان الهمجي عادياً بل كان شبحا قاتلاً يغتال كل ما يصادفه من بشر وحجر وشجر , و الضيعة تهتز يمينه ويسره في موجة عاصفة تحت النيران وأصوات المدافع تدق بالأعناق قبل أن تدق الجدران وتدمر ما تدمره من ابنيه وطرقات , لم أكن أعلم أن عليّ أن أسرع بحزم أمتعتي والمغادرة نحو السفارة في أسرع وقت ممكن قبل اندلاع ألسنة النيران , لكني بقيت الوحيدة مع الحاجة أم محمود والحاج أبو محمود الضرير .
في فجر ذلك اليوم طرقت الحاجة باب غرفتي تحذرني من فتح النوافذ وإشعال إي شمعة لأن تيار الكهرباء قد انقطع عنا منذ الضربة الأولى وبدأ تدفق السكان نحو بيت الحاجة أم محمود مزاحما بالأطفال والنساء ولم يكن بينهم إي شاب , معظهم كان من الرجال المسنين في عمر الحاج أبو محمود وأكثر .
ما أن تبدأ مدافع العدو بالضرب تبدأ أصوات الابتهالات والدعاء مع صوت يعلو ويدوي إلى السماء صراخات أيتام الشهداء , لم اعرف ماذا اصنع ؟
أو إلى أين اتجه ؟
كل طفل كان في رقبتي أمانة. وأنا أجول به من غرفةٍ إلى غرفة محاولة تهدئته تارة , وباكية معه تارة أخرى . لم تكن المدافع وحدها التي كانت تقصف الجنوب بكل همجيتها بل كانت طائرات حربية أخرى ترمي القنابل العنقوية على الدور وعلى رؤوس أصحابها غير مبالية إن كان فيها أطفالا أو نساء , لم تشهد حياتي حرباً ولم ترَ عيني ما تراه الآن والدماء في كل مكان من جرحى وقتلى وفوضى عارمة في الداخل والخارج .
حل الظلام أخيرا وبدأ صوت النار يخف تدريجيا .. في هذه اللحظة ساد الصمت في دار الحاجة أم محمود , وبدأت تنادي الأطفال بأسمائهم من أجاب كان حيا ومن لم يجب فقد سقط شهيداً ولتحق بأهله من الشهداء , كان المنظر اشد قسوة مما يشاهد أو حتى يسمع عبر الأثير , أخذت النسوة تزيح الركام المتساقط على الأطفال وتخرج ما تستطيع إخراجه مع دموع جريحة ووجع في القلب لا يبرا
ماهي إلا دقائق معدودة وصليه جديدة من القذائف تسقط على درانا ويسقط معها شهداء كانوا بالأمس معنا , نرفع جثث أطفالا نيام .
لم يبقَ أحدٌ في تلك الدار ينادي بأسمائنا سقط الجزء العلوي على الطابق الأرضي وعلى الأخص غرفة الأطفال بينما كنت في دورة المياه أطبق الباب عليّ وأنا اصرخ حاجة أم محمود ساعديني !
لم اسمع أي صوت يرد عليّ جوابي أدركت أنهم قد رحلوا وتركوني وحيدة هنا.
اغشي عليّ بعضا من الوقت ولم انتبه إلا على صوت رجل ينادي هل من أحد هنا ! أتيت للمساعدة !
حاولت النهوض مجددا وانسى ألم راسي وابدأ بجمع حاجياتي في كيس وجدته أمامي , وأنا اطرق الباب برجلي واصرخ أنا هنا عالقة في الحمام أرجوك ساعدني ؟
لكن كانت أصوات الطائرات الحربية اقوي من صوتي وأعلى من أن يسمعني. بكيت صراخاً النجدة ساعدوني, صوتا بدا يتخلل صوت الطائرات هامسا من خلف الباب:
" اصمدي أنا هنا "
أحسستُ بالهدوء والسكينة وانتظرنا زوال الطائرات الحربية من السماء ما أن ذهبتْ حاول الرجل من خلف الباب كسر قيوده فأمرني بالتنحي جانبا حتى يفرغ مافي جعبته من حقدٍ على العدو في ذلك الباب الموصد . وفُتّحَ الباب أخيرا قائلا : اخرجي الآن .
حاولتُ أن التقط أي شيء يستر راسي فلم أجد غير منشفة علاها الغبار وشظايا زجاج .
قال أسرعي بالخروج قبل أن تعاود الطائرات قصف المكان.
ترددتُ كثيراً وأخيرا نطق لساني لكن أريد شيئا يسترني, مد يده عبر الباب رافعا شاله الأبيض قائلا: خذي أختي, نفضتُ الغبار من جسدي وشعري وتحجبت بالشال الأبيض شاكرة له كثيراً حُسن صنعه.
قال لي وأنا أسير خلفه لماذا لم تخرجي كباقي العائلات التي خرجت كل الطرق مقطوعة الآن ولم يبقَ في الضيعة غير المقاومين وجنود العدو على مقربة من حدودنا, هذه الدار ساحة مواجهة ومن غير الممكن بقاؤك هنا.
توقفت وقلت: أين نحن ذاهبون إذنا ؟
استدار ونظر ليّ متعجباً: أنتِ غير لبنانية !
قلت له: أنا.... قاطعنا صوت المدفع وهو يشق حزامَ الليل تاركاً خلفه أشلاء حيوانات مبعثرة في كل مكان.. ضرب العدو حظيرة حيوانات كانت يوما من الأيام قوتا تعيل اسر لبنانية فقيرة , فمن الواضح أن إسرائيل تكره حيوانات العرب وخاصة جنوب لبنان فهي تظن أن هذه الحيوانات لها المقدرة على المواجهة وحمل السلاح لتدافع عن نفسها لهذا أخرستها قبل أن تحمل سلاحها وتشهره في وجه أي جندي اسرائلي, فكل شيء يتحرك يخيف الجيش الذي لا يقهر حتى لو كانت أوراق أشجار متساقطة قد ذبلت وجفت .
اتبعت ذلك الرجل بدون أن أساله عن هويته أو حتى عن اسمه بدأ رجلاً حقيقياً كلما وضعت يدي على الشال, وتذكرت مساعدته ليّ. كنا نسير بمحاذاة الأشجار إلى أن تعمقنا الوسط وعلى الرغم من الظلام الدامس كنت قد أمسكت بسلسلة من الحديد تتدلى من حقيبة الرجل حتى لا أتيه من بين يديه , وصلنا إلى مكان وأمرني بالنزول أولا عبر نفق مظلم وأنا ممسكة مصباحه وإذا أنا في الداخل مباشرة كيف دخلت وكيف كنت لا علم ليّ ؟
بعد خمس دقائق دخل الرجل خلفي ربما كان يتفقد المكان قبل دخوله.. أو ربما غطى فتحه النفق بأوراق الأشجار حتى لا تظهر لأي عدو يتربص بنـّا.
جلست أراقب المكان فقد بدأ مؤنساً جداً قد توسطت الأرضية سجادة خضراء تعلوها تربة وبجانبها مصحفاً كبيراً ومسبحة , وعلى الطاولة كتب أدعية وزيارات وشمعة حمراء أهلكها الزمن بأحزانه ومسراته , وعلى الرغم من ذلك مازالت مشتعلة تضيء ليالي الوحدة بضيائها السرمدي الذي لا ينقطع وكوب ماء شُرّب نصفه وبقى نصفه الآخر يحكي قصصا في التلاوات والمناجاة وخفايا قلبا مؤمنا لا يمل من العبادة.وفراش متواضعا جدا نثرت عليه صورا ورسائل لا باس بها.
وعلى الجانب الآخر ذخائر حربية وأسلحة متنوعة وخرائط , آله مسجلة كبيرة وأخرى صغيرة وأشياء لم افهمها ولم اعرف أسمائها
نظرت إليه وقلت : من أنتَ !
بينما تركتُ خيالي يغرق في وصف الرجل الذي بين يدّي بعد أن خلع خوذته الحربية متوجهاً نحو الرسائل والصور محتضن دمية صغيرة وقميصاً نسائياً قائلاً: لبناني من هذه الأرض.و الأرض تهتز له طوعا مبادلة بالزهو والافتخار, لا اعلم من الذي كان ينطق هو أم الأرض ؟
قلت: مقاوم ؟
قال: مغامر
قاطع خجلي الذي انتابني قائلا : الله أعلم متى تنتهي هذه الحرب والله أعلم كم من الوقت تبقين هنا فبقاءك مرهون بنتهاء الحرب على العموم يا أختي.... أووا قد نسيت أن أسألك ما اسمك !
قلت : شدن
قال: اسم جميل جداً هل تعلمين ما معناه !
قلت : نعم أعلم .
قال : من أين أنتِ ؟
كنت أفكر حينها منذ أن قال ( مغامر ) كيف أرد على سؤالهِ عندما يسألني من أين أنتِ ؟
تورد وجهي خجلاً من جديد وغصة في القلب شعرت أن كل ما حل بأهله وأرضه من دمارٍ وتشتت وكل هذه الحرب الظالمة أنني على الأقل سبباً فيها ربمَ كنت أبالغ في هذا فلا دخل لي بها لا من قريب ولا بعيد وأبي ليس وزيراً ولا مسؤولا مصرحاً يصرح ويخفي اسمه في عتمة الليل الحالك ونيران الغضب الإسرائيلي تشعل أرض الجنوب ساحة من ساحات حرب لا هدفا لها غير قتل البراءة وأحلام الطفولة في كل ركن من الأركان .. في كل وادي .. في كل سهل وبقاع ... قطع الرجل حبل خيالي الواسع الذي سبح في السماء هاربا من الإجابة قائلاً: أختي شدن ايحتاج سؤالي لتفكير طويلا عندما اسألك من أين أنتِ ؟
قلت : لا ... بل .... أنا من ( الخليج ) قلتها بكل بفخر وعزة, تبسم بابتسامته الواسعة مهلهلا مرحبا بكِ في بلدكِ وعذرا على هذا الخراب .
قلت : شكراً لكَ .
وكيف حال أخواننا هناك ؟
قلت: بألف خير وأكيد قلوبهم معكم.
ثم ساد الصمت طويلاً بيننا تخلله بين الحين والآخر أصوات انفجارات كانت تصيب العُمق والبُني التحتية للجنوب , كانت الأرض تهتز وبمن فيها وهو بين راكع وساجد , بين قاري للقران وداعي بدعاء لا ينقطع نفسه ,أحسست بالرهبة والخشوع معه وعيناي تذرفان الدمع مع روحانية لا سابق لها لم أدق في حياتي طعما للدعاء كما أذقه الآن , بل لم اسمع في حياتي دعاء قيل مثله.. غلبني النعاس فجأة , ونمت مسندة ظهري نحو الحائط وأنا واضعه راسي بين ركبتي , ناداني هل نمت يا أختاه ؟
رفعتُ راسي ماسحة دموع جفني ... ماذا ؟
أشار إلى الفراش قائلا: نامي على الفراش أنا سأعود إلى ارض المواجهة ولن آتي إلا للاطمئنان عليك, وإلى الصلاة وأخذ حاجياتي إذا لزم الأمر.. كل شيء هنا من طعام وشراب يكفي لسنة كاملة فخذي راحتك أنت بأمانوقفت وأنا حائرة .. لكن .. هل سيطيل بقاؤك هناك ؟ قال : لا فقط دعواتك لنــّا .
تبسمت قائلة: انتبه لنفسك جيداً يا... ما اسمك َ!
أدار ظهره متوجها نحو الخارج استوقفته.. لا أظنك تدير ظهرك منعا للإجابة فهذه ليست من شِيمكَ ؟
كنتُ منذ زمن غير طويل أحلم بتقبيل نحر مقاوم.. أدار ظهره مبتسم هذا مستحيل أتعلمين من هو المقاوم لترغبي بتقبيل نحره.
قلت نعم أعلم .
قال : ماذا تعلمين عنه .
قلت وتعلو كلماتي البراءة المعهودة والصفاء التام هو العرض والشرف, هو الروح للجسد, هو الجسد, هو القلب النابض بالحياة, هو المشاعر والشعور و الحب.. هو ماء العين ... رمش العين .. العين هو الإنسانية بكل حروفها هذا المقاوم... وإن كنت تسأل أيضا عن معناه في قلبي فهو(( الإيمان والنقاء ومعنى العزة والكرامة و الدين والحامي والأمين والصائن هو الابن.. والأخ... والأب... هو الرجولة )) تبسم ابتسامة الرضا قائلاً: ناديني برمش العين إذناً متسائلة ما اسم الدعاء الذي كنت تقراه ؟
أجاب وهو يعد عدته ويلبس خوذته وعصابة رأسه فقد كان برقة ة شاعر، وموسوعية مثقف ، وشغف فنان ، وأريحية زعيم قائلاً : هو دعاء الثغور للإمام علي بن الحسين عليهما السلام سوف تجدينه مع مجموعة الأدعية وسوف تعلمين لماذا يقرأ بالذات هنا فدعواتك لنا يا أختي شدن .. قد أغيب كما أخبرتك ساعات طويلة وأعود للاطمئنان عليكِ .لا أعلم لما بكيت بصوت عال وهو يودعني ويوصيني ولا اعلم كيف بقيت وأنا اعد الساعات الطويلة اشتاق إليه, اشتقتُ لابتسامته العذبة.. لأحاديثه الحلوة.. لروحه النقية... لصدره الرحب.
اشتقت لمجلسه الروحاني الدافئ الذي طالما احتضن النفوس و أدارت نقاشات القلب و حوارات الشعور به.اشتقت لك أيها المقاوم .
و اشتاقت لكَ شمس تغطس في البحر كل مغرب أمام نافذتك و اشتاق لك قمر يرسل ضياءه إلى الماء كل مساء لينير شاطئك. قد أنثر الحروف على صفحتي البيضاء بلا توقف و لا كلل و لا ملل فلا أوفي المشاعر حقها و يخونني التعبير، و لكنني أستطيع أن أختصر كل المشاعر اليوم في كلمتين اثنتين فقط.. اشتقتُ لكَ..
مرتْ الساعات وأنا لا أعلم في أي يوم نحن ولا حتى متى تظهر الشمس وتختفي كل ما اعلمه أن صوت المدافع والقنابل مازال مستمراً ليل نهار, ورمش العين غائباً لا أعرف ماذا حل به وأين هو.وكالعادة ذهبت للنوم وأنا أتصفح بعضا من رسائله وصوره.كانت رسائل من أمه تحمل في طياتها رائحة الأمومة وعبق الحنان الباذخ معطرا بالأشواق الدافئة الداعية بالسلامة له ولرفاقه , ورسالة صغيرة أخرى بخط مقطع كبير يبدو أنها من ابنته .. ومعها دمية صغيرة تهديها له حملت توقيعا كبيرا باسمها ابنتك الغالية: ( ندى ).
ورسالة أخرى كتبت بجملة واحدة فقط: هذا قميصي معك َ.
نظرت للقميص وأطالت عيناي بالنظر إليه وشعرت بغيرة تحترق قلبي وشيئا ما يعتمل في داخلي إنها الغيرة كما يبدو لكن لماذا !
وكيف ؟ بينما نيران الغيرة تشتعل في جوفي وتصب غضبها على القميص صرخت لماذا أنتِ هنا !لماذا رائحتك تفوح في كل ركن هنا !خلعت الشال وبدأت أجول في المكان ذهابا وإيابا بحثا عن الإجابة.
وإذا هو واقف خلفي...أسرعت بربط الشال على راسي ووقفت أمامه بلهف قد تأخرت كثيراً عليّ اقصد على عودتك ؟
أجاب بهدوءٍ كانت المواجهة عنيفة جداً استنفذتُ كل ذخائري هناك خالعا خوذته وشاله الأبيض الملطخ بالدم وسلاحه ثم حذاءه الذي علاه الغبار..
قلت: إذن أنت عائد مرة أخرى.
قال: نعم عائد وهو يجمع من جديد ذخائره وأسلحته ثم يتوجه نحو الماء يغتسل استدار ليّ قائلاً: عن إذنك أريد الاغتسال استعدادا للصلاة.أدرت بظهري نحو الجدار أحدثه: وكيف الوضع في الخارج ؟
قال : على أحسن ما يرام فقد نفذ رجالنا عميلة واسعة ردا على مجزرة قانا بتفجير ( حانيت) .قلت : هل ماتوا كلهم ؟
قال : ضاحكا هل ترغبين ان تشاهديهم وهم يفرون منا كالجرذان .
قلت : وكيف حال المقاومون الآخرون !
قال : بخير والحمد لله . كان يحدثني كيف تسير رحى المعركة بين الطرفين في كل مرة يأتي فيها للصلاة و تأمين سلاحه , وأنا بين الخوف و الطمئنية على سلامته .. بعد ان يطمئنني على سلامة المقاومين وسيدهم العظيم .
بعد أن انتهى من الاغتسال ارتدى بذلته الأخرى وكانت هذه المرة مدنية لا عسكرية, وتوجه نحو القبلة وأنا مازلت محلقة في السماء وسابحة في ملكوت الله واضعة يدي على قلبي.وكعادته يطرد خيالي دائما قائلا : شدن من عادتك إذا أتيتُ للصلاة تستعدي وتصلي خلفي مابكِ اليوم ؟
ساد صمتا قصيرا بيننا أطبقت فيه شفتاي عن الحديث, فقام وأتي بالقرب مني سائلا: هل أنت مريضة ؟ شعرت بحرارةٍ وخوف اشد من لظى القذائف التي تسقط على رؤوس أصحابها , ودفنت راسي بين كفي هربا من الإجابة .
قطع خوفي قائلا: هل تحتاجين إلى شيءٍ ما ؟



لم أرد عليه وظل يلح عليّ بالإجابة دون جدوى, فعاد الدوار من جديدٍ وأنا لا أقوى على الحِراك والبحث من جديد عن مسكن للألم فغشي عليّ.. ولا علم كمْ من الوقتِِ قد مضى على خروجه لكنه عاد أخيرا كما وعدني, حاول مساعدتي على النهوض ولكن دون جدوى كل جسدي كان مخدراً وبمن فيهم راسي الذي أصبح بقسوة الحجر, فقد بدا مهتما بالعناية بي ومصراً على تناول شراباً يخفف من حالة الخمول والتعب, كان ممرضا حنونا لم أرى في حياتي مثله فبدأ جسدي يتعرق وأحسست بالحرارة تلفحه من كل مكان وبدأت اصرخ من الألم وأمسكت يده بدون أن اشعر قائلة : أريدُ الخروج من هذا المكان أرجوك ؟
قائلا : لا لكنك لا تستطعين الوقوف حتى ؟قلت : وأنا عيني لم تفارق عيناه القلقتين أريد هواءً أرجوك .
لم تعجبه فكرة خروجي ولكن إصراري عليه , اجبره على المثول أمامي طائعاً وهو ينظر إلىّ كيف تحول هدؤي إلى عاصفة تجتاح كل ما يصادفها من سفنٍ وحطام أشرعة إلى تحطيم ذلك القيّد الذي قيدني به ذاك المقاوم . فحاولت النهوض بجهد أقف تارة واسقط تارة أخرى إلى أن اغشي عليّ من جديد..
أدرك رمش العين أني بالفعل بحاجة للهواء النقي وعليه وحده فقط أن يخرجني لأستنشقه.. لم يكن الأمر صعبا غير أنه كان حريصا جدا على سلامتي ..
ما أن فتحتُ عيناي وتأملت السماء ظننتُ أني قد رحلت إلى عالم آخر حيث الذين استشهدوا لكن سرعانما صوبت رؤاي عندما سألني كيف تشعرين الآن ؟
استنشقت الهواء من جديد وبدأت رياح خفيفة تداعب خدي أحسست بالراحة فأغمضت عيناي من جديد وأنا أجاوبه بسؤال آخر كيف وصلت إلى هنا هل حملتني بذراعيك القويتين ؟
هل كان راسي نائما على صدرك الحنون ؟ أم على كتفك ؟
لم يجبني كعادته ولكني ظليت أحلم بحلم بعيد جدا وأنا ارتمى بين احضانه استوقفني قائلا : أمازالت تحلم شدن ؟؟
فتحت عيني قائلة له: وأنتَ لا تحلم ؟
قال : نحلم ولكن ليس كمثل حلمك .
حاولت جاهدة بعدم الرد عليه وقطع حبل أحلامي والرجوع للواقع المرير وللحرب والموت .. تنهدت تنهيدة طويلة ... جداً.
أدركتُ أني أحب ذلك المقاوم بكل جوارحي أحببت رجولته.. أحببت إيمانه القوي .. أحببت تنسكه وزهده .. أحببت كل شيء به.. فكان روحي بكل ما تعنيه كلماتي ..
فسرنا نحو كهفنا من جديد وبدأ بجمع أغراضه ولبس بدلته العسكرية فخفق قلبي وأدمعت عيني استوقفته: هل من الضروري خروجك ؟
نظر إلى عيناي وأحس بشيء يحترق فيهما ربمَ شوقا وربم حباً وربم خوفا لا اعلم كل الذي اعلمه هو أن شوقا خارجا عن أرادتي قد حدث ولا لمقاومة الأرض تثنيه عنه .
تابعونا للجزء الثاني والاخير