
في لحظة من لحظات حياتي أجبرتني الأيام على البوح بألم صامت فما كان مني غير الاستسلام للقدر الذي مزق آخر آمالي ولم يبقَ لي غير الذكريات التي تغذيني بالأمل وتجرعني كأس الجمر الآمر. هنا سأكتب وأشيعُ الأخطاء وأنصب من وجبِ رفعه وارفعُ ما جاز جزمه كما يحلو ليّ , فلا شيوخ النحو ولا علماء البلاغة ورجال الدين سيقفون أمام مشاعري وقمم أحزاني .لا شيء سوف يمنع هذه المذكرات من الظهور .
1-– كرشة – أرها بين – مرة – أربعة وأربعين ريــــــال
ماعسى أن أقول رداً على ذلك ؟!أقول ما سبق أن عادتنا دائماً تتطوع بقتلِ كل ماهو جميل ولكنها لا تعترف به إلا عندما لا تجد مفراً من ذلك . فذكرياتنا تموج بالعواطف والانفعالات والأصوات المتلاطمة , وتجتاحها الخصومات ووجهات النظر المتضاربة ذلك كله بهدوءٍ وإشفاق .كُوخنا الصغير يقع في مكان فريد على الحدِ الفاصلِ بين ضفة النهر والجبل . في الكوخِ العتيق تركنا كل شيءٍ قائما على حاله في زمنٍ مضى كان يمثل لنا الأمان والحصن والدفاع عن أحلامنا و خيالاتنا واليوم لم يبقَ منه غير الذكريات تتلاعب بها رياح السماء وأشباح الماضي .
2- -اليوم وبعد الفراق الطويل أعود إلى الوراء إلى ذلك المكان مشدودة إليه كل جوارحي بما فيها ذلك القلب الحنون إليه تجرني كالأسير . ماعسى أن أفعل وقد وقفت قدماي على باب ذلك الكوخ ؟لماذا عدت ؟لماذا مازالت ذاكرتي قوية تتذكر أين ممكن أن وضعنا المفتاح آخر مرة قبل رحيلنا بأعوامٍ عنه ؟لماذا مازالت رائحة الخبز والقهوة تنبعث من مطبخي الصغير ؟لماذا مازالت أزهار حديقتي مزهرة ونضرة !أترى أأسكن صاحبنا امرأة بعد ي ؟أم ....... لا من غير المعقول أبدا أن يفعل ذلك بذكرياتنا ؟؟فأنا لم أعد هذه المرة لوحدي ؟ عدت وأنا أحمل ما أحمل معي من هدايا ومن كنز ثمين ...( طفلي الصغير ) ذلك الطفل الذي تربى ونشأ في أحضاني وتنفس كل نفسٍ حزين كانت تطلقه زفراتي هذا طفلي اليوم يزور معي ذكرياتي القديمة ...ويقف معي على الطلل الباقي طلل أم رفات الماضي !!لا يهم
3- آه آه لماذا تركنا هذا المكان ..و لماذا فرقتنا العادات ولم تجمعنا معاً !لماذا ولماذا ولماذا آه ؟؟؟؟ تباً لتلك العادات وتباً لتلك القلوب القاسية ...خارت قواي وأنا أتذكر كل الأحداث التي جرت في هذه الجنة الخضراء ... فلم تعد أحداثا بل أوهام صنعناها معاً لأننا لا نستطيع تحقيقها إلا في الأحلام وستمرت الأحلام تطوف بنا مساحات من الحدود نجتاز من خلالها أقوى القوة التي من الممكن أن نجتازها معاً في واقعنا ... فبين الذكريات وبين الواقع سمعتُ تمتمات من خلف الباب تتمتم بحديثِ طالما أحببت سماعه ... يا الهي إنها الأشباح أشباحنا مازالت متحدة القلوب على عكسنا ... لم تفرقها الأقوال ولا ضعف الإفهام إنها لا تفهم لغة المادة لتفترق إنها لا تعي العادات لتهرب من مسؤولياتها اتجاه من تحب ... أنها معاً أرواحنا محلقة في هذا الكوخ العتيق إنها محبة عطوفة حالمة هادئة إنها وفيه على عكس أجسادنا ... المتنافرة كالغبار .في ذلك اليوم جلس الشبح (...) على الكرسي تحت خميلة الياسمين في الحديقة وهو ينفث في الهواء دخان سجائره وقد تربعت على رجليه أوراقا صفراء بالية أحترق نصفها وبقى النصف الآخر منها يحكي باقي القصيدة . وهو يردد كلمات كنتُ دائماً ما أقولها :لا تآكل وايد لا تطلع لك كرشة !!ويرد عليً ضاحكاً : أعيدي ( كرشة ) يااااااااااااه على حرف الراء .شبح ( ... ) واقفة بجلباب قصيرٍ- ضيق مقلم - وخف شعبيلا مس الأرض اعتلاه خلخالاً مذهبا كل ضربة منه تهز أركان ذلك الوادي وتجعله في حالة هذيان مستمرة طوال اليوم ..وخصلات شعر قد بعثرتها الرياح على وجهها على غير ترتيب مخفية ملامحها الخجولة إلا ابتسامتها ظلت تتخلل الخصلات ضاحكة بارزة لتلك الحفرة الصغيرة التي حُفرت على ذقنها بعناية تامة من يد الخالق المولى سبحانه وتعالى معاتبة .. قائلة :آخر مرة أكلمك ؟يقاطعها الشبح هذه المرة وقد غرق في الضحك ولم تعد له القدرة على الرد غير : متأكدة آخر مرة !تقول له : إيه أخر مرة ؟وهي لاتعلم بأنه يتلذذ بتعذيبها واستنطاقها لحرف الراء ... الذي طالما حاولت جاهدة عدم نطقه لصعوبة مخرجه عندها ..ثم سيطر الصمت قليلاً تحت تأثير رغبة ملحة بالراحة .. لتتسلل بعيدا عنه لتحضر- فانوس قديم -تضعه على المنضدة متحدثة بلهجتها الخليجية العفوية :تدري اليوم وش صار ؟
رد قائلا بخشونة وبحة الصوت البدوي الأجش : ايش صار ؟قالت : الارهابيون ......... وقاطعها الشبح من هم ؟قالت بزفرة غاضبة : الارهابيون .عاد الشبح ضحكاته المتتالية ورمقها بكل حنان وشغف مابهم ؟أحست بالخجل وقالت : دائماً تعثر على الكلمة التي أقع فيها لتضحك عليً ؟خاطبها بحنانٍ : لم أقصد حبيبتي ..أشاحت برأسها عنه قائلة : عليك أربعة وأربعين ريال لـ .......... وضحكت هي هذه المرة من نفسها وضحك معها واهتزت الأشجار طرباً وغنت الطيور وتدفق الجدول الصغير فما هي إلا دقائق معدودة حتى غلبها النعاس ودفنت بجسدها الصغير على صدره الحنون وغطت بالنوم مستسلمة وظل هو طوال الليل يحدق بتلك القسمات الطفولية التي تعلوها البراءة , مسح باقي الدمع المترقرق من عينيها وقالت في نومها : عدني أن لا تتركني وحيدة وهي تشد على يده ...خاطبها هامساً في أذنها : لن أتركك أبدا نامي يا أم كرشةابتسمت وقالت : ما حبك قال : وأنا أموووت فيكِ.
4-كان قد مضى على هذا الحديث أعوام كثيرة .. مضت .. جلستُ انظر بقلبٍ كئيب ونفس رافضة حانقة على الماضي الذي لا يريد أن يموت وخيل لي أنه يستمد بقاءه من قوة الحب الذي نشأ في هذا المكان وأنه سيغير كل شيء وأنه سيرفض الموت والأسر المقيم .والذي قد لا يعلمه( هذان الشبحان) أنهما مجرد أرواحا حائرة لا تأكل ولا تشرب ولا يعني لهما الألم أي شيء ,غير الحب .يا ترى من يعلمهما أنهما افترقا ولم يعد لهما مكاناً وسط هذه العادات البالية !أيستطيع أحدكم أن يقتل هذه الأرواح كما قتلت من قبل الأجساد ؟سنكون شاكرين لكم جميعاً ..
أشباح الكوخ مذكرات : ملهمة شاعر 27/1/ 1427هـ