الجزء الأول: (( قُـــــربان الحُـــب ))
غادة والراهب حكاية من حكايات الحب الخالد التي نشأت وترعرعت في أحضان الجزيرة العربية وعلى الطرف الشرقي منها , وكما هي عاداتنا تقتل كل ماهو جميل في داخلنا منعت وبقوة وضع نهاية لهذه المشاعر إلا بالطعن والتغريب فأرسلت ابنها إلى صوامع الرهبان وابنتها إلى دار زوج لا يعرف معنى الإحسان ولا التغزل في الكحل والهندام , فجرت همومها خلفها هاربة من واقعها ومصيرها إلى الصحراء بحثاً عن من فرض عليه الواقع عبادة ومنهجاً لم يكن في حساباته غير الإخلاص لمن سكنت قلبه وعقله .
صباح هذا اليوم لم يكن اعتيادياً أبدا بل صباح فيه ضياء وترتيل يعانق وجود السماء, و لن يتوقف إلا بتوقف الطقوس المقدسة المقدمة من أهالي هذه الأرض الطيبة, لتتطهر أرواحنا من ذنوبنا بطهر ونقاء الرهبان القادمين إلينا من صوامعهم جامعين النذور بعد قليل. يقدمون الصدقات على المحتاج والفقير ,فأين سأقف أمام هذا الحشد الكبير ! لأقدم النذر والقربان والصليب ليعود ذلك الغريب.
فمع رائحة البخور العربي والكافور والمسك الهندي تتقدم صلوات الرهبان أقدامهم تزفها رياح النفوذ الكبير فيقف النداء على صوتِ راهبٍ شابٌ نحيل هاتفاً : النذور يا عباد الله النذور فتخرج ربات الخدور والأطفال والشيخ والشاب الجسور يسترقون السمع لصوت الراهب الصغير فيما تتسابق النظرات والدعوات .
هناك خلف القبة البعيدة إلى الخدِ التريب إلى القلب المقطع إلى الأشلاء المبعثرة إلى غادة تتحول كل الأنظار وتتحول ترانيم الصلوات إلى ترانيم شفقة وحزن يرسلها نسيم الصحراء إلى غااااادة فتداعب رموش العين وترسم البسمة من جديد.
فيدق الراهب الصغير جرسه من جديد يطهر الروح ويتلو صلوات عيسى المصلوب, يقدس الجسد ليعود للتراب ومن التراب يكون. لكنه يكشف عمَّن قدمت نفسها قربانا بدون أن تؤمن بالصليب قائلاً عرفي الجمع الغفير عن اسمكِ , وعن خطيئتكِ أيها القربان الفقير !فيجيبه القربان :
أنا من تقرأ كلماتها حين تهجع وتسأل ألحانها في كل مخدع, أنا الإجابة عن سؤالكَ ذاك النقش على صدرك, أنا من تبحث عنها الومضة الحبيبة
لـــ تزور ليلك فتوقد ليّ النَّار! افتح أبواب الإنجيل وتَهَجَّد, وقرأ بدون تردد أنا التي من دون جسد ستعانقني, افتح عينيك ستعرفني.
وما وقوفكِ في هذا المكان !!
قربااااان أيها الراهب قرباااان .
يسقط الراهب أرضا وتسقط معه النذور وصكوك الغفران وأجراس المعابد مازالتْ تُـــقرع بانتظام .
غاااادة: ها أنا قد أتيتُ إليكِ مع صلواتكِ وتسبيحاتك ِوتراتيل المساء والشوق يدفعني إليكِ بالله عليكِ ألا ترحمي حالنا؟
ألا أشفقتي عليّ ولو مرة واحدة في حياتكِ فلمِ العناد وعيون الكهان ترقب المكان
خشية وقوع خطيئة أو تردد القربان .
أنت من جعلني قرباناً لهذا !! أنت من قتل غادة وأدمى فؤادها. أنت من تركني.أناديك بأعلى صوتي فلا تسمعني ألن تجيب !فيخيم الحزن عليّ من جديد واشعر بالألم والخذلان وهو يعدو بين الحشود يطفئ كل شمعة قد أوقدت من أجلي
وصوتي يعلو مخترق جدران المعابد وقلوب النساء الأرامل.
أنا هي تلك الأنثى التي تعلمت قراءة الفنجان
وجابت البلدان وتعلمت دروب العرفان ودخلت قصور ملوك الجان
أنا هي
المولعة بك َ حدّ الوجع المغرمة بك حتى الجنون
أناهي من تسكر على أهازيجك وتثمل على أنغام كلماتك
فكن ذاك الطيف الآتي من سماء الفرح وأنجيل الحب وقداس المحبة
هذه خطيئتي أيها الناس فكم هو مؤلم حينما يضطر الشخص منا أن يقدم حبه للنسيان قربانا
لم تسعفها الدموع ولا التوسلات , وقفت تصرخ بملء صوتها وهو مازال يعدو بين الحشود تاركاً خلفه غادة تستصرخه هذه المرة بالنخوة لعله يرجع إليها طائعاً بعد أن اثر الصمت والرحيل :
لمن تتركني أيها الرجل !
لرهبةِ المسافة بين نهارك وقسوة ليلي العاصف؟
أم تتركني للمساء ولوحشه العتمة !
طوبى لمن امتلك عاطفة تبدأ عاصفتها معي وطوبى لمن يجد مكانا في قلب حنون
هو قلبي .وطوبى للجائعين بعد الغروب .
توقف الراهب فجأة وهو يسمع هذه الجملة الأخيرة رافعا رأسه للسماء قائلا: ليست العين المغمضة هي التي لاتراكِ لا والله وليست الأذن التى لاتسمعك صماء وأنت أدرى يا غادة !
هناك دائماً( سكــــين ) في الضلوع من جهة خامسة . ثم عاد يعدو نحو الصحراء ونحو الصوامع من جديد إلى اليأس والوجع المرير.
الجزء الثاني :
من رمال شرق الجزيرة العربية تخرج من بطنِ أميرة فارسية جمانة عربية ذات أصل شريف ونسب قيسيه ربيعية عدنانية حضرية عظيمة لا متعاظمة أنيقة لا متأنقة متعلمة لا متعالية سيدة الجمال والشعر والعطا ذات هيبة وحزم , ومكر ودهاء في عينيها ألف داء ودواء سمــراء ذات ثراء خمرية العينين وردية الوجنتين, أطولهن إذا قامت وأعظمهن إذا قعدت .
وهي كالعود تحتاج دائماً إلى من يحنو عليها, ويعاملها برفق حتى تستجيب له.. إنها مثال لذلك المحبوب الناعم الذي زعم الشاعر:
(( أن خطرات النسيم تجرح خديه ويدمى الحرير بنانه )) , ولها من الابتسامة أجمل الابتسامات, وأكثرها روعة وإشفاقا وأدقها عاطفة فهي النور الذي يؤنس والنار التي تحرق , هي الماء الذي يروى والطوفان الذي يغرق , هي الهواء الذي يحيى والعاصفة التي تخنق , هي السعادة بكل مسراتها والتعاسة التي تؤرق .
الراهب :
على الجانب الآخر من رمال الصحراء الواسعة كانت تٌسمع أصوات دعاء وابتهالات خاشعة , حيث تُرى كفوف رفعت وجباه سجدت وصوامع نصبت ورجال تدينت .
فكل هبة نسيم كانت تطلقه تلك الصحراء كان يدعو للعبادة والخشوع بروحٍ مؤمنة متضرعة مبتهلة يكفى السكون الموحش والترنيمات الحزينة التي تطلقها أصوات المصلين الرهبان تبدد الوحشة والسكون خوفاً وفزعاً , فلا شيء يحرك سكون تلك الصحراء المقفرة إلا صوت ذلك الراهب الشاب . وبنفس لحن الترنيمات التي يطلقها الرهبان كان الراهبُ الشابَ يرددُ هذهِ الأبيات:
فتكاتُ لحضكِ أم سيوف أبيك
وكؤوس خمرٍ أم مراشيف فيكِ
أجلاد مرهفةٍ وفتكُ محاجرٍ
ما أنتِ راحمة ولا أهلوكِ
يا بنت ذي السيف الطويل نجاده
اكذا يجوز الحكم في ناديك ؟
عيناك أم مغناك موعدنا وفي
وادي الكرى نلقاك أم واديك !
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو
عثروا بطيفٍ طارق ظنوكِ
ودعوكِ نشوى ما سقوك مدامة
فإذا تثنَّـــى عطفك اتَّهموك
حسبوا التَّكحل في جفونك حلية
تالله ما بأكفهم كحلوك
وجلؤك لي إذ نحن غصنا بانهٍ
حتَّى إذا احتفل الهوى حجبوك
ولوى مُقبلكِ اللثامُ وما دروا
أن قد لُــثِمتِ بهِ وقُــبِّل فُوكِ.
ذلك الراهب هو جون النصراني الحائر الثائر البعيد القريب من القلب المحب العطوف الحاني المشتت الفكر . وبنفس خجولة ودموع سكيبه ومن خلف الكثبان والرمال الزاحفة تخرج امرأة من خدرها على صوت تلك العبادة الفريدة .
وتقف على باب مخدعها لتسمع لحن يؤنس القلوب ويبدد وحشة الصحراء في الليل البهيم متسأله :
من هذا !
أهي ترانيم قدسية ؟
أم قصائد شعرية ؟
فخرجت تجر من خلفها أذيال الطهر والعفاف وترسم على الرمال خطواتها العذرية لتقف على باب صومعة الراهب وقد تلثمت بلثامها الخمري ونادته بصوت عذب يقرح القلوب ويدمي الأكباد :
يا هذا !
توقف الراهب عن الحديث وصاح بفزع من هناك !
قالت: أنا
قال : من أنتِ ؟
قالت: طيفٌ عابر !
أحس بالخوف والرجفة .. قال : " طيفٌ عابر في الصحراء وعلى باب راهب !
قالت : نعم
قال : وما حاجتكِ ؟
قالت: السُكنى
قال : كيف ؟
قالت : بمكوثي الليلة هنا فكما تعرف صحراء والوقت قد أعياني و السفر طول المسالك .
قاطعها قائلاً: بالله عليك أيها الطيف إلا أزحت هذا عن كاهلي فلا طاقة لي على الحديث واستقبال الضيوف..
قالت : ويحك والست من العرب !!
قال : نعم من العرب فما يجديني بمكوثكِ عندي ليلا وأنا راهب عابد .
قالت: لا تخف أيها الراهب فما أنا إلا طيفا عابرا لا امرأة أنس تخاف من غوايتها ومكرها ولا جنية ترهب من حضورها ما أنا إلا طيفا ميتا
احتار الراهب وفكر كثيراً
وسبقته بالكلام وقالت: ما بك أيها الراهب الزاهد
إذا كانت أحكام الرهبان تمنعكم من حضور نساء الأنس إلى صوامعكم فهي لا تستطيع منع نساء الأطياف من التجوال في مخيلاتكم وأحلامكم !!
نظر الراهب إليها وأحس بالخطر من نظراتهــا وهمسات حديثها وأدرك أنها مكيدة وحبل من حبائل الشيطان !
رفع كفه إلى السماء ينادي بالعذراء البتول
ويتوسل بالله سألتكِ بمن تعبدي ,ألا أشفقتي على عابد مثلي
ما لامس جفنا ولا اعتدى ولا أدمى فؤاداً ولا خالط زيفاً
ومشى كما يمشى أصحاب الهوى, أنا عابدٌ كما تعرفي ؟
تترك الكلام جانباً وتبدأ بالتسلل تدفعها نزوة ؟
ولكن ليست كباقي النزوات تتسلح بما وهبها الله إياه من أنوثة وجمال وجاذبية.. والتي تعتبرها أثمن كنوزها على الإطلاق. نظر إليها وعكس ضياؤها الساطع على وجه, فأغمض عينيه وتنفس الصعداء ودق قلبه وتمتم بكلمات لا تفهمها..
خلعت بردتها وأبقت اللثام يستر وجهها إلا سحر عينيها, فبانت مفاتن الفاتنة.
وبينما كانت صيحات الاستنكار تهز الراهب, وتشعل جذوتها على الحناجر كانت تجري على صفحة الماء الناعسة في الوقت ذاته, أحداث دافئة أخرى في قلبه. ورحلة خاصة جداً ألقت الفاتنة برأسها على صدر العابد المثقل بالتعويذات وكلام الإنجيل وراحت تهمس بحديثها ؟
أتلو عليّ بعضا من تعويذاتك فأنا أحس بالمرض والثقل . تنهد الراهب وحاول ثنيها وإبعادها عنه ولكن . دون جدوى سرى دف غريب إلى جسده البارد بهمساتها وصوتها الرقيق . أدرك أنه في خطر رهيب وأنه في هذا الموقف لا وقت للرجل أن يفكر.
أبعدها بقوة عن صدره وقال صارخاً: كفى يا امرأة !!! نظرت إليه وشعرت بشعور سعيد أنها منتصرة, تقدمت خطوات منه قائلة: أين المبيت ! أشار إلى الصومعة .
قالت: بمفردي !
رفع بصره إلى السماء وبأعصاب لا يتحملها أي رجل الله المعين ,دخلت الصومعة متذمرة متأففة ماهذا المكان الغريب !
أخذ الراهب المسكين عصا ومكنسة وبدأ بتنظيف المكان وترتيب المفارش وإعداد الطعام !!
وهي تنظر إليه وترسل السهام ؟
ما أن انتهى قال: تفضلي سيدتي.
تنهدت طويلاً وقالت : اشعر بالنعاس .
ودخلت الصومعة وتركت رواقها مفتوحا بعد أن أطفأت الناقوس و أدارت بجسدها المياس وأسقطت اللثام عن وجهها وتدلى الليل من خلفها يحكي حكاية الشعر المذهب الطويل منحدراً على الجسد الناعم الطري . وهي تغنى أعذب الألحان وتطرب وحوش الصحراء بألحانها.
يا الهي قالها الراهب خائفاً من وقوع مصيبة ما ذا يفعل وقد أحاطته هذه الأنثى الغربية من كل جانب لا يملك سيفاً ليحارب ولا رمحاً ليقاتل ولا درعا يصد الهجمات ولا حتى خطة ليتقدم ويهاجم
أنه وحيدا في معركة شبه خاسرة بين أنثى وراهب !!
وبدأت تدس السم القاتل في شرايين وأوردة المحارب
تعرف من أين تدخل وتخرج بدون خسائر .أخذت تلقي بجسدها الطري على المفارش وغطت بالنوم بعد أن تدثرت جيداً ودفنت برأسها في الوسائد.
أحس الراهب بالهدوء بعد أن نامت تلك الأنثى وأخذ يعد العدة ويتأهب للقتال بعد أن تدرع بسلاح الإيمان .
أطفئ السرج ونام تحت الشجرة ولكن تنهدات تلك الغربية كانت تؤرقه كل ثانية من سعال ومن حديث وأحيانا بكاء .
قضى الراهب شطر الليل يحارب وساوس الشيطان وقطع حبائله أحس بالانهزام لحظات وأنه لا طاقة له على الانتظار, قرر طردها من صومعته ورميها للكلاب.
لكنه خاف فلم تفعل له تلك الأنثى أي شيء إلى الآن. وهل ينتظر منها لتفعل ذلك ؟
وأخيرا استسلم الرجل للنوم وغلب إيمانه وسوسة الشيطان.
أفاقتْ الفاتنة من نومها باكرا وقبل شروق الشمس خرجت من الصومعة تبحث عن الراهب فوجدته نائماً تحت شجرة وقد عانق عصاه جلست أمامه ثم وضعت رأسه في حجرها وقبلته أزاحت الغطاء من على رأسه وبان شعره مدت يدها.
أحس الراهب بوجودها نهض قائلاً: ماذا تفعلين !!
تلاقت العيون لأول مرة وحلق بها بعيداً لتلك الحبيبة المكحلة العينين أحس بشيءٍ من الحيرة والقلق احتار ماذا يفعل وهي صامته لا تتكلم نظر إليها وقد لاحت أمامه أشبه ماتكون تلك الحبيبة نفس الرائحة وطعم الحنين نفس الشعر ودف الجبين . من الممكن أن تكون غادة لا مستحيل أن تعرض غادة نفسها وتمثل بهذا الدور الحقير.
غادة طاهرة ما كنت أقبل هذا منها وهي أقرب الخلق لدي
ماكنت أطلب منها بخيال لتفعل هذا !
دنت خلفه وضمته وقيدته بسلاسل سحرها وأحاطته هذه المرة وقبلته حاول التفلت منها فلم يستطع وسقط حباله واستسلم وبادلها القبل والضم وبدأ خيط النهار بالظهور وأشعة الشمس تتخلل ذلك الشعر الذهبي وتكشف أسرار الليل . لم يكن يستر جسدها سوى تلك الملابس الخفيفة تكشف ما تكشفه وتستر ما تستره وكلها غائبة عن ذهن الراهب.
بدأ الراهب يفيق من غيبوبته من جديد وأول ما وقعت عيناه عليه بعد النهوض لذلك الصدر المكتنز والذي تعلوه شامة سوداء كعلامة أو رمزا تميز من أحبها وعرفها به أبعدها عن جسده بنفور صارخا في ذهول شديد:
غاااااااااااادة !!!
والشمس قد لاحت في الأفق تكشف وتعلن للجميع بداية يوم جديد , نهض الراهب في حيرة وأخذ يطبق كفيه بعضها ببعض داعياً على نفسه بالويل والثبور .
وألف سؤال على شفتيه ويديه تعبث بالتراب وتثير موجه الإعصار
ماذا تفعلين ؟
أحستْ غادة بالخطر لم تجب أمسك بالعصا وحاول ضربها تمنع وأسقطها.
قال : كنتِ تحاولين غوايتي !
أطرقت برأسها إلى الأرض تبحث عن مهرب للإجابة بكت خلع رداه وأعطاها إياه قائلاً: انهضي.
ادخلها الصومعة وأغلقها عليها وخاطبها خطاباً من خلف الرواق
غادة : ماكنتُ أبدا أقبل أن تضعيني أو أضعك في مثل هذا الموقف
كنتُ اقبل على نفسي قتلك قبل أن أفعل ما أفعل بكِ.
غادة: أنتِ ( حمامة سلام ) على قلبي وعقلي
أنتِ يا غادة تحثيني على الإثم وارتكاب المعصية ؟؟
سأظل راهباً كما أنا يا غادة فعلمي.
بكت غادة كثيراً وخنقتها العبرة وأحست بالصغر والاهانة
كيف تقدم نفسها وقد نست وتناست من تكون ومن هي غادة وأخلاق غادة كيف تكون بعد ذلك اليوم بالنسبة لجون غانية أم سيدة ذات شرف وحسب ونسب ذات هيبة ذات عفاف ومضرب للعقل و المثل .
تحول ذلك النهار إلى مأتم عزاء يقدم فيه جون الراهب كل أنواع الحزن والخذلان .
مازال يعاني ويقاسي تلك الصدمة وحبل غادة يشنقه من الوريد إلى الوريد أي عذر تقدمه ويصدقه أي تبرير ينفع وأي صدمة توجع .ومن خلف أستار الطهر غادة تنادي الراهب وقد ارتدت العفاف وتحصنت بالعقل .
جــــون :
أدرك كم قاسيت وعانيت وكم تعذبت في هذه الصحراء القاحلة , وكم من المواجع فتحت لك فيها غادة . لم يكن من مقدوري إرجاعك إلى دفء أحضاني وأنت ترتدي عباءة العبادة , لم يكن من مقدوري أن أعلن لك هويتي فترفضني لأنك هاربا مني ؟
ماذا افعل إذا لم تستجب لندائي وتحرقك نيران أشواقي ؟
طفت الصحارى بحثا عنك بين الصوامع وأبواب الكنائس !
قدمت النذور وقربت القرابين وفي كل مساء كنت أشعل شمعة
جون قول لي بربك ما أنت فاعل بي ؟
ثم أطلقت زفرات حارة مخطلة بالدموع وقالت : جون أرجعني إلى دياري .
نظر إليها وقد أحس بمرارة القسوة حاول أن يكون أكثر شدة معها حاول تجنب نظراتها وإغلاق سمعه عن توسلاتها فلم تغريه الدموع المتساقطة على خديها. ولا حتى بريق عينيها
كان يغريه .
قائلاً: لكِ ذلك يا غادة الصحراء لكِ ذلك.
نظرتْ إليهِ نظرة مشفقة مرددة:
( لكِ ذلك يا غادة فقط )
رحلت غادة يجر رحلها الحزن الأبدي, لا هودجاً يستر أحزانها, ولا حاذياً يمسح دموعها. رحلت إلى المجهول الذي ينتظرها, فلا مزيد من الصوامع ورحلة المواجع.
رحلت بعيدا حيث الديار والأهل والأمان حيث يجب أن تكون غادة وسط معتقداتها وعالمها.
حيثُ الدفء وسعف النخل إلى واحتها الغناء إلى ربوع قيس توقف الرحل.
