الثلاثاء، 8 أبريل 2008

♪ ♫ جلنـَّــار ♪ ♫



( جُـــــلنَّـــــار )


لم يفارقني رنين صوته الريفي الأجش خارقاً مسامعي الحزينة ولا ضحكاته العاتية على كلماتي وأحاسيسي الداخلية , ومزاحه العفوي يتراقص بين الثنايا شوقاً يترجم معاناتي كلمة كلمة ثم ينفجر ألماً .
حاولت أن لا أكذب هذه المرة و أن أدخل عالمه لأعرف سر ضحكاته.فوجدت قلبا ( يتمزق حزنا ) وعينا ( تبكي دمعا )
اكتشفت أن ضحكه الذي يملأ مسامعي كان وهما , واكتشفت أن ذلك القلب الرقيق إنما ينزف دما ً .
فمنذ تلك اللحظة وعدتُ نفسي بإخراجه من أحزانه ساكنة بين وجدانه, مضحية من أجله بعمري حتى أحقق أحلامه, لو طلب مني قلبي فسأنتزعه واضعه بين يديه .
آه لو يحكي ليّ عن سرٍ من أسراره !
لو يخبرني عن اسمه الحقيقي وعنوانه !
آه لو أعرف من يكون !
قتلت أحلامي ودفنتها بين تلال أوجاعي فقط حتى لا أعرف من يكون , ولا أين ولد ولا أين يسكن أبواه والبنون ؟
من أجله فقط رميتُ أوجاعي خلفي ناسية كل مفرداتي حتى أني أحياناً اخفي شوقي إليه وحبي.
من أجل عينيه سترت دمعي وغيرت مجراه نحو قلبي , لا أريد أن أثقله حزنا"على حزن فيكفي ما تترجمه عيناه من أحزان
ليتني كنت مكانه فأحترق لوحدي من
براكين الأحزان ويكون في دنيا الأمان
أفضل أن تذرف عيناي سيلا" من الدماء
ولا أرى تلك الابتسامة تزول عن وجهه
كلما زاد حبي له زاد خوفي عليه وكلما
اقتربت منه أكثر , وأكثر أزداد خوفا" من أن يأتي ذلك اليوم
ويعلن فراقنا,أخاف من أن أبحث عنه
ولا أجده.
(( جلنار )) بماذا تفكرين !
ولأن الاقتراب منه ممنوعا ألقيت بنفسي على جذع شجرة ابكي بصمتٍ قاسي حتى لا تفتضحني دموعي . اقترب أكثر ثم جلس على طرف الجذع الباقي قائلاً: أرجوك أيتها الأحاسيس لا تبكي.
عندما يصمت اللسان عن الكلام ويحترف الصمت .
عندما ينكسر القلم بقسوة ويجف حبره رافضا التعبير عن نفسه.
عندما تصبح الابتسامة مزيجا ما بين الحزن والرغبة بلا حزن.
عندما يرتسم الأسى بريق دمع بعينيكِ ويرفض الهطول .
عندما تتساوى الأشياء والفصول والوقت بالظلام
عندما نفقد الرغبة بالحديث ونلزم الصمت الطويل مصحوبا بأوجاع دون صوت.
عندما نقرر الرحيل من دون حقائب والهجرة داخلنا.
حينها فقط نكون قد وصلنا إلى ذروة أحزاننا و وجب علينا التوقف لأن الذي يأتي بعد ذلك بلا شك أنه أكثر إيلاما وقسوة
نظرتُ إليه هذه المرة وأنا لا أخفي أيٍ من مشاعري وأحاسيسي التي اشعر بها لا خوفاً منه ولا رهبة بل رغبة.
رغبة ملحه في معرفة من يكون وأين يذهب وأين يختفي حتى لو كان الثمن غاليا, حتى لو كان القرار صعباً واشد قسوة حتى لو كان......... ؟يا إلهي صرختُ من أنت أيها الملثم !
ألا تدرك أني لا أعرفك حتى لو مشيتُ في السوق وارتطم رأسي بكتفك !
لا أعرف ملامحك وحجم أنفك ! هل لك شارباً فقط ! أم شارب ولحية خفيفة !وشعرك هل طويلا أم قصير ؟
أنا لا أعرف سوء طولك الذي أكاد أميزه من بين جميع الرجال, وصوتك الأجش, وعينيك الثاقبة, وسخاء كفيك المعطاة, أعرف متى تحزن ومتى تفرح ومتى تغضب !
وكعادتهِ يختار الصمت الطويل على أن يتكلم بكلمة واحدة عن نفسه فهو يحضر متى أراد ويغيب كيفما شاء تاركاً رسالة صغيرة كتب فيها : عزيزتي ( جلنار ) انتظري رسالتي لكِ أمام نافذة غرفتك مساءً .
وجاء المساء معطراً بالورد وببراعم شجر الليمون , جاء مساء يختلف عن كل مساءات الزمن الماضي والقادم برائحة الحب المختلطة بسنابل العشق الأبدي , وتضحيات الشباب الفتي , برائحة النارنج والدم المزكّي , برائحة خمائل زهر الياسمين والفداء.
جاء واقفاً أمام شباك نافذتي واضعاً رسالة ووردة حمراء, لم يكن متلثماً على عادته ولا مرتبكاً بل كان شخصاً واثقا مطمئناً, وبدون أن يعرف أنني أقف خلفه, تركت لروحي العنان أن تحلق في إرجاء الحديقة بين همساتي وشوقي للواقف وخيل ليّ أنني عانقته وارتميت على صدره اذرف دمعاً غير الدمع الذي اعتادت عيناي عليه , لكن ما أسرعها من لحظات يوم ارتطم راسي بصدره وهو يحاول الخروج من حديقتي وقعت عيناي عليه لأول مرة تفصل تقاسيم وجهه ولون بشرته وطول أنفه ولون شعره , مازالت عيناي لا تفارقه حتى وان تلاشى بين الظلام مازالت ملامحه عالقة في مخيلتي ومشاعره الدافئة تملئ المكان ولمساته الناعمة تُسكن أنين الجسد
و حنانه الدافق يحطم شجون النفس ,و أنفاسه تنحف بنفحات الحب الهادئ
و همسات الليل الساحر, فقد رسى قلبي عند شاطئه ,حيث وجد الأمان وبعد أن عرفت من يكون, وأين يذهب, وأين يغيب !
فأين يرحل بعد كل هذا؟


2/ 3 / 1429 للهجرة