الاثنين، 7 أبريل 2008

ζζΨΏΨ بائعة الشموع ΨΏΨζζ




أصبح المقهى مكاني المفضل عندما تعودت رؤيته كل ثلاثاء،.رجلٌ في نهاية العقد الرابع من عمره يخرج من شقته تمامِ الثامنة مساءً يبحثُ عن طاولةٍ نائية بعيده عن المدخل. يطلبُ قهوتهُ في هدوءٍ يثيرُ إعجابي، ويظلُ شاردا للذهنِ لا يتحرك إلا لرشف قهوته الساخنة. يطلبُ الموسيقى بأدبٍ لم أرَ مثلهُ من قبل ويعتذر عن طلبه المتكرر لنفس الموسيقى. يبدو كرجل فقد أحد أصدقائه المقربين ، أو شخص عزيز عليه . ولكنه لا يبدو ليّ كرجل فقد حبيبته، رجل يفكر ويتأمل في كل لوحة تصادفه أو وقعت عيناه عليها حتى لو كانت حمامة محلقة في السماء بحثاً عن مهرب إليه تبيت. ربما كان شاعر يبحث عن كلمات وحروف تائهة في وجوه الناس , أو قد يكون تائهاً مثلي يبحث عن وجهٍ يسليه .
أحسست بهدوءٍ مزعج من ناحيتي. فتمنيتُ اقتحامَ عزلتهُ مثلاً وتغيير الموسيقى. حتى أستطيع تغير مزاجه الهادئ وخلق حوار ما بيني وبينه.
قررت أن اقطع هدوئه هذه الليلة متوجهة إليه, واقفة أمامه متناسية تلك الكلمات المنمقة التي رتبتها منذ فترة طويلة لمثل هذا المساء. نظر إلي متعجباً من وقوفي !
آه تذكرت أني أحمل معي كيساً صغيراً به مجموعة لاباس بها من الشموع المعطرة رفعت الكيس ووضعته على طاولته عفواً: هل ترغب بمشاهدة الشموع ! أحسست بالحرج الشديد وهو ينظر إليّ مبتسماً: هل اشتري منها ؟
تورد وجهي خجلاً رافعة كتفي تؤمي له بالموافقة ,فأخذ شمعة ووضعها على طاولته طالباً من النادلة عود ثقاب ليشعلها.
وأنا أخدت مقعدا قريبا منه قائلة :عن إذنك سوف احتسى هذه الليلة كوبا من الكابتشينو بادلني بابتسامة عريضة تفضلي (( آنستي )) .
قطعت خلوته العلنية مع شمعته للمرة الثانية قائلة : أتعلم !
رفع يده من على خده مسندا ظهره على المقعد: أريدُ أن اعلم ؟
أعطيتُ هذا المكانُ اسماً.
وماهو !
(مقهى الكاظمية ) الذي طالما حلمتُ به و سيشعر بي من يفهم طبيعتي فقط .

نظر إليّ باهتمام وأنا احتسى كوبي الساخن سائلاً: ما اسمكَ ؟
أنا اسمي ( شـــــــــــدن ).
ومن أي الاشدان أنتِ !
ضحكتُ ثم ابتسمت ابتسامة صفراء من أرض الشموع !
آه لهذا تبيعين الشموع !
ظل شارداً للذهن من جديد وأنا مازلت أثرثر له عن أرض الشموع وألوانها وأطياف ساكنيها , إلى أن ساد الصمت وانتهت الموسيقى فنطق أخيراً ليقطع وحشة الليل المنتصف : اشعر بالوحدة دائماً على الرغم من تجوالي ورحلاتي المستمرة في أرجاء الكون , أريدُ أن أملأ وحدتي بشمعة لا تنطفئ تسامرني وتشاكسني ولا تمل من غربتي .تكون معي في محبرتي وعلى ورقي تخط أبجديات القصيد لتكون الروح والمالكة لفؤادي ..... قاطعتُ سردَ أمنياتهُ قائلة: محظوظةٌ هي من تنالكَ ومحظوظاتٌ نحنُ لأنكَ لم تنلْ بها إلى الآن. بِك سيَرْتَقِي وَحيُ الحب وَيسْمو ... قاطعني بانفعال شديد وأين هي المحظوظة بي لم تظهر إلى الآن !
أغمض عينيك قليلاً وتمتع بلحظة لم تحلم بها من قبل هنا في هذا المقهى الصغير ,ستملأ أركانه وجدرانه بصور العامرية وصور حبها وعشقها مع الملوح. وستحظى في كل لقاءٍ يجمعكما فيه بلقاءٍ شرقي قديم يشبه ركنها مضارب بني عامر, ومبخرة لمن يحب التطَّيب والطيب تتوسط قلب الدار تستقبل الضيف والمحل على القلب والأبدان, وعلى النوافذ ستائر حمراء مخملية. وجلسة ذات طابع عربي أصيل تفترش الأرض بنقوشها الهندسية وسجادا فارسي الصنع , ووسائد تلُين خشونة الطبع وتُهدى النفس وعلى الرفوف أواني نحاسية وبين الزوايا قناديل دمشقية تضيء ليل الشوق العاتم, و (عازف يعزف بالعود ) ما يُطلب منه .
هنا تقرر أنتَ أن تتولى أمر الضيافة، وأن تكون هي الضيفة وتقترح الاكتفاء بالشموع المحاطة على النافورة بينما القناديل الدمشقية الداخلية تبقى كما هي ولكن بضوء خافت يشبه ضوء القمر المتسلل عبر ثقوب الستائر المخملية . هنا تقف تراقب ليلتك الأولى في مقهى الكاظمية كل شيءٍ يبدو على ما يرام , هدوء المكان أضفى عليك السكينة والوقار .هنا فقط تكون ولك أن تكون مع حب ونقاء العامرية . بدت الفكرة رائعة أن أراقبه وأتخيل قصصه وحواراته، ومزاجه اليومي فوجدت نفسي أتوحد معه وأشاطره اللحظة كل مساء. إلا مساءً لم أجده فيه ومللتُ الانتظار فأخذت شموعي ووضعتها على كل طاولة مزينة بها عتبات الدرج ومدخل الباب وخارجه وصوت الموسيقى مازال يعلو يقرع الآذان , إلى أن حضر أخيرا فختبيتُ أسدل شعري المنثور وأصلح تبرجي , والقي آخر نظرة على مرآتي قبل أن .... سقطت الفرشاة من يدي وتجمدت أطرافي وجف حلقي وزادت دقات قلبي, لم يبقَ من جسدي أي عضو يتحرك أو حتى يشعرني بوجوده, غير دقات قلبي المتصاعدة وأنفاسي المتقطعة, ودموعي المتساقطة. أنا لستُ غاضبة لأنه تركتني هذه الليلة, بل العكس كنت أراقب المقهى من بعيد وأدركتُ أني نسيت الورود الحمراء المفترض أن أضعها على كل طاولة بإضافة إلى ذلك إني تركت شموعي وها أنا أعود. فلم يكن على عادته يثيره وجودي أو حتى يسعد بحضوري, حتى وأنا أستبدل الموسيقى التي طالما تسمرت مشاعره وهو يصغي إليها بأخرى تحمل معها الصخب والمزاج العكر. لم يكن في ذلك المساء القاتم أي شيء قد يذكره بمقهى الكاظمية وليالي العامرية .فأخذت تلك الأنثى الهادئة في داخلي تتحول إلى أنثى شرسة تطفي الشموع بدموع مقلتيها وترمي بها عبر النوافذ وتثير ضجيج المدنية بصوت تحطيم الكؤوس والأكواب , وكان جريان الشاي على الأرض أمراً قد أثاره أخيراً عندما وجد سفينة ورقية تعوم كُتب عليها نهر دجلة . وسفينة أخرى أيضا ورقية كُتب عليها نهر الفرات وهي تجري على القهوة المراقة على الأرض. وبين النهرين توسطتُ أقرأ ديوانا لأبي ماضي :


جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجاب :

اجديد أم قديم أنا في هذا الوجودْ
هل أنا حرٌ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنني ادري ولكن
لست أدري!


لم أعرف تلك الغريبة التي كانت تجلس معه وتحتضن بعينها أبعاده وتمزق ليلي بوحشة فِراقه لم اعرفها جيداً ولم تكن رسم ملامحها تُـــعني ليّ بقدر ماعوني ليّ حضورها المقيت وجلوسها مكاني, فلم افهم سبب ثورتي وجنوني وكل هذا الدمار حولي , ولكني أدركُ تماماً سبب حزني هو يخرج الآن معها وهي متوسدةٌ كتفه ناسياً حتى شمعته .

1/1/ 1429