
ابني ...ابني أين...اين...اين ...
تاهتْ محدقة في الجثثِ المتبدلة تبحثُ عن جسدٍ ليس كباقي الأجساد مرملاً بلا رداء.
ثم انطلقت كسهم يعدو بين الرمال، ورمتْ بنفسها فوق صدراً مهشما بالسَّناء وهي تصرخ تنادي:-
" وابناااه ... وابناااه ... وابناااه "
وعلى الجانب الأخركانت هناك من تمرغ نفسها أيضا بالتراب تجمع يداً ورجلاً وهي تصرخ متأملة الجثث الممزقة على الرمضاء، وتعود وتسأل : اين رأس ابني الذي ضممته إليّ قبل هنيهات؟ أليس على الأرض من يسمع!
وليس على الأرض من يود أن يسمع!
شهقتْ السماء دماً، وتراجعتْ الشمس خجلاً، واندثرتْ رائحة الأرض، وانبثقتْ رائحة الدم، رائحة الموت، رائحة صرخات الأطفال موزعة بين الأشلاء المقطعة، والدماء الممتزجة.
راقبتها وراقبت الألم المزروع بكل خطوة تخطوها قدماها راقبتُ العذابَ والقهر الذي خرج من بين ثنايا صوتها الغارق بالذهول، وأنا ما أزال هناك أفترش دماء ولدي وأهلي، وألملم أجزاءهم المتناثرة على امتداد الجرح والزمن، أذر التراب و أصرخ:-
" وابناااه ، وابناااه " وابناااه .
فاقتربتْ مني وعلى وجهها الحياء وكأنه الوجود، تتلوى كعصفور مطحون الرأس، ممزق الجسد تبكي، فتغرق الأرض بدموعها، تبكي فتشعر السماء بصغرها، وتختفي الشمس في العمق، بحثا عن خلاصٍ من سؤالها.تسألني :
هل رأيتِ ولدي ؟ هل رأيتموه ؟
وهي تضم بين صدرها كفا بلا غطاء, تهزها ثم تنظر نحو السماء ( قتلوه قتلوه ومن الماء منعوه ) وتعود للكفِ من جديد تهزها، وتسألها : دُليـــني عن أشلاه لأفتش فيها عن شهقة من شهقاته عن أنة من أناته ، وتعود تردد: " حُسيناااه اجبني "!
ثم تركض بعزم مفاجئ، نحو الجثث الممزقة، فتشعر بالرعب بالهلع من جثة وجدتها بلا رأس , فتعود راكضة إلى الكفِ الصامت الهامد، صمت الخجل ، وهمود الموت وهي تشير إلى الجسد , ثم تعود تُحدقها وتسأله أن يحدثها أن يضمها إلى صدره، فتضرب عينيها كل الأشياء، وتنفض التراب عن وجهها لتظهر الحقيقة الــمُرة هذه المرة :-
" قطعوا رأسهُ واويـــــــــلاه ".فيصمتْ الكون محالفاً الموت المزروع بحدقتيها الغضتين، والأفق صامت، يحالف انهيارها، والآماد صامتة، تحالف قهرها وهي تردد :
لست فاطمة لستُ فاطمة وهذا ابنـــي
هناك يفتح الشجن والأسى أخاديداً في محيا عظمتها، فالقهر والخوف والهلع والرعب والليل والسواد والموت والحداد يشاطرني( أنا فاطمة ) ولكن مخالفا لعصمتها وتكوينها من أنا أمامها والسَّماء تبكيها والملك العرش لا يثنيها ؟
طيور الأرض تواسيها والحجر الأصم يناغيها دماً لا دموعاً ترويها !
وقفت لتشاهد بقايا جسداً مقطعاً قد تساوى مع الأرض على السواء بكت، وبكت، وبكت، بصوت لا يحتمل الم البكاء وعذابه، بصوت غاب رنينه، - وللأبد – تذكره بين الحين عن طفولته وعن الحمل ورضاعته , وحينا تبحث عن رداءٍ يستره ومن حر التراب لا يحرقه .
فتفرش برداء حدادها ما يستره, ومن حنان قلبها لا يفزعهُ.
أما أنا كنتُ في حالة استثنائية، تشبه حالة البئر المهجور ابحثُ عن الأربعة ليتوسدوه وبنعشٍ يحملوه وبحنانٍ يرفعوه.
وأنا أدور على محور العذاب والأسى والألم، أتلظى على نار الذهول والانهيار، فيهز الكون من جديدٍ بصرخاتها، لاطمةٍ على صدرِها الرقيق اليافع، وعلى وجهها الغض الطري، كنت أرقبها وأنا أبكي، وأجهش بالبكاء، بكاء مر، ممزوج بالعجز والذل والمهانة.فندفعت اجمع بقايا الأربعة ابث فيهم النخوة حتى رأيت جسداً ينتفخ، يتجمر، يغلي، كبركان يستعد للإجابة ، بلا زندين وبلا رأس يستجيب لصوتي ويتقطع خجلاً من أنين تلك الفاطمة .
يا أعراب البادية يامسلمون بني أمية، اغرقوا في مهانتكم، فانتم محترفون في الهزيمة والانكسار، ومحترفون في استعذاب الذل والخوف والموت.
ثم يأتي صوتا هاتفا مع الريح : حرريني يا أماه واجعليني بذاتكِ مرة أخرى جنينا، أنا ابكي، واستعد للانفجار، لأنني جزء منكِ، ولأنني انتسب إليكِ، أنت فخري، وأنسي، وهوائي ، أنت جبل من الصبر والخشوع، بل أنتِ معجونة بالتضحية والحب ، أنا اظهر فقط من أجلكِ ، لأنثر هممي على صفاتكِ وكلماتكِ، وحزني اليوم يا أماه أعظم لان الذي نثرته عليكِ ليس أسمى من أن يلامس جسدكِ وذاتكِ .
اجعليني في أحشائكِ من جديد أنير هذا الدرب واقلع رؤوس الكفر ,اشحني ذاتي ببطولاتي أبي ومجد أجدادي , عن عمي الطيار حدثيني , وعن حمزة عم أبي اخبريني . أورثيني شجاعتهم وصولاتهم من أنا للناس عرفيني ونسبيني ذكريهم ولا تخشي على فاطمة.
فقط قولي لها: أن صوتكِ يثير في داخلي زوابع من الانتقام يذكرني بالباب والطفل إلى حد الانصهار .لا تبكي يا فاطمة فمحمدٌ قد عاد يرث الأرض والعباد .
















.jpg)




